الخطيب الشربيني

88

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

قال تعالى دالا على ذلك وعلى أن تهجدهم متصل بآخر الليل : وَبِالْأَسْحارِ قال ابن زيد : السحر السدس الأخير من الليل هُمْ أي : دائما بظواهرهم وبواطنهم يَسْتَغْفِرُونَ أي : يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله تعالى ، وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا لقول سيد الخلق محمد صلى اللّه عليه وسلم « لا أحصي ثناء عليك » « 1 » وإبراز الضمير دلّ على أنّ غيرهم لو فعل هذا ليلة لأعجب بنفسه ورأى أنه لا أحد أفضل منه ، وعلى أنّ استغفارهم في الكثرة يقتضي أنهم يكونون بحيث يظنّ أنهم أحق بالتذلل من المصرّين على المعاصي ، فإنّ استغفارهم ذلك على بصيرة لأنهم نظروا ما له سبحانه في الآفاق وفي أنفسهم من الآيات والحكم البالغة فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه تعالى لا يقدر حق قدره . تنبيه : بالأسحار متعلق بيستغفرون والباء بمعنى في وقدم متعلق الخبر على المبتدأ لجواز تقديم العامل . وقال الكلبي ومجاهد : بالأسحار يصلون وذلك أنّ صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة روى أبو هريرة أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « ينزل الله إلى السماء كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل فيقول أنا الملك أنا الملك من الذي يدعوني فأستجيب له ، من الذي يسألني فأعطيه من الذي يستغفرني فأغفر له » « 2 » وهذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان معروفان : أحدهما : وهو مذهب السلف وغيرهم أنه يمّر كما جاء من غير تأويل ولا تعطيل وترك الكلام فيه وفي أمثاله مع الإيمان به وتنزيه الرب سبحانه عن صفات الأجسام . المذهب الثاني : وهو قول جماعة من المتكلمين وغيرهم أنّ الصعود والنزول من صفات الأجسام فالله تعالى منزه عن ذلك فعلى هذا يكون معناه نزول الرحمة والألطاف الإلهية والإقبال على الداعين بالإجابة واللطف وتخصيصه بالثلث الأخير من الليل ، لأنّ ذلك وقت التهجد والدعاء وغفلة أكثر الناس وعن ابن عباس أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتهجد قال : « اللهمّ لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهنّ ، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ ، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهنّ ، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت » « 3 » وزاد في رواية « وما أنت أعلم به مني أنت المقدّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك » « 4 » زاد النسائي « ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » « 5 » .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 486 ، وأبو داود في الصلاة حديث 879 ، والترمذي في الدعوات حديث 2493 ، والنسائي في التطبيق حديث 1100 ، 1130 ، وابن ماجة في الدعاء حديث 3841 ، ومالك في مسّ القرآن حديث 31 ، وأحمد في المسند 1 / 96 ، 118 ، 150 ، 6 / 58 . ( 2 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 758 ، والترمذي في الصلاة حديث 446 . ( 3 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7385 ، ومسلم في المسافرين حديث 769 ، وأبو داود في الصلاة حديث 771 ، والترمذي في الدعوات حديث 3418 ( 4 ) أخرجه البخاري في الدعوات حديث 6317 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1355 . ( 5 ) أخرجه النسائي في قيام الليل حديث 1619 .